الإستراتيجية الشاملة لمكافحة الارهاب في العراق

في اطار إدراك التحديات والمخاطر

اللواء الركن/ م. ماجد القيسي
عن الكاتب

مدير برنامج الامن والدفاع ودراسات مكافحة الارهاب في مركز صنع السياسات للدراسات الدولية والاستراتيجية

    بعد انتهاء الصفحة العسكرية ضد تنظيم داعش الإرهابي اصبح العراق بحاجة الى إستراتيجية شاملة للوصول الى أمن شامل، من خلال تجديد وتطوير مقاربات مختلفة وتعزيز الجهود لمواجهة التهديدات المستقبلية التي يمثلها هذا التنظيم؛ بعد ان تحول الى تنظيم سري يستخدم إستراتيجية حرب العصابات باساليب ووسائل مختلفة ويحاول البقاء ليس فقط عبر خلاياه النائمة، وانما يسعى لنشر افكاره المتطرفة واديولوجيته. 

 

 الوضع الامني الراهن في العراق بعد تحرر المدن 

دخل العراق وضعا امنيا جديدا مغايرا بعد تحرير المدن والقضاء على القوة المنظمة المقاتلة لتنظيم داعش. كان التنظيم يمتلك قوة عسكرية تقترب من تنظيم الجيوش من حيث تراتبية القيادة وترسانة الاسلحة التي كان يمتلكها، بالإضافة الى انه  كان يعتبر من اغنى التنظيمات الإرهابية؛ ما ساعده كثيرا في دعم عملياته العسكرية في المناطق التي كان يحتلها. ورغم خسارة التنظيم لكل مراكز ثقله من اسلحة وقيادات من الصف الأول، حيث قتل ٤٢ قياديا من اصل ٤٣ وفقدان ٦٥٪؜من ذراعه الطويل المتمثل بالاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي؛ لكن لازال التنظيم يشكل تهديدا خطيرا على امن العراق وخصوصا في المناطق المحررة للاسباب التالية:

1تحول التنظيم الى منظمة سرية تتوزع على شكل خلايا في مناطق جنوب غرب الموصل، وشمال راوة وهيت، وصولا الى جنوب البعاج ( البادية الغربية )، وفي سلسة حمرين ومناطق شرق تكريت وجنوب وغرب كركوك وشمال ديالى.

2اعادة هيكلية تنظيمه في اغسطس عام ٢٠١٨؛ بعد ان ادرك انه في الطريق الى خسارة كامل الجغرافية التي كان يسيطر عليها، وليتلائم الهيكل التنظيمي الجديد مع الاستراتيجية التي سوف يتبعها في المرحلة القادمة اي مابعد ( مرحلة التمكين).

3.  ان المرحلة المقبلة هي مرحلة حرب العصابات، يعتمد فيها على الخلايا النائمة وهي خليط من ( عناصر نشطة وعناصر خاملة )، حيث تقدر العناصر النشطة المنتشرة في البادية الغربية ومناطق حول نينوى والابار وديالى بحوالي ( ٢٠٠٠ - ٢٥٠٠)، والعناصر الخاملة والتي قام باعدادها ابان احتلاله المدن بحوالي ( ٦٠٠٠ - ٨٠٠٠) عنصر خامل، ومن الممكن ان يتحولوا في ظروف معينة الى عناصر نشطة.

4رغم تجفيف مصادر تمويل التنظيم؛ لكن يعتقد انه يمتلك اموال باستطاعته تدويرها داخل العراق تقدر ب ٥٠٠ -٦٠٠ ) مليون دولار، ولنضرب مثالا على ذلك هو العملية الكبيرة التي قامت بها المخابرات العراقية في شهر شباط في تفكيك اكبر شبكة تمويل للتنظيم موزعة في بغداد والموصل واقليم كردستان وانقرة، وتقدر المبالغ التي كانت تتداولها هذه الشبكة ب (٥٠٠ ) مليون دولار.

5قام التنظيم بعمليات ارهابية في الموصل وديالى والحويجة، حيث كان اخر عملياته في ١٩ شباط الماضي في منطقة مخمور عندما استهدف قافلة للحشد الشعبي التركماني ادت الى مقتل  ٦ واصابة اكثر من ٣١، بالاضافة الى تفجير سيارة مفخخة في حي المثى في الموصل، وعمليات قصف على مناطق شمال وشرق ديالى.

6ان وضع المناطق المحررة لازال على درجة عالية من الصعوبة؛ حيث النازحون في المخيمات، ومدن مدمرة تحتاج الى اعادة اعمار، إضافة الى الصراعات السياسية. ان هذه العوامل تشكل بيئة ملائمة لبروز هذا التنظيم مرة أخرى.

7عدم حسم ملفات عوائل التنظيم ويقدر اعدادهم ٩٠- ١٠٠ ) الف بضمنهم اطفال ونساء وهم في المخيمات، اذ انهم يمثلون قنابل موقوته في حالة عدم وضع حلول جذرية لمعالجة هذا الملف المعقد.

مستوى التهديد

سوف يبقى التهديد عند مستوى حرب العصابات والقيام بعمليات ارهابية تستهدف البنى التحتية والقوات الأمنية، ويعتمد في ذلك على مبدا ( اقتصاد الحرب )؛ لتحقيق اهداف معينة، لكن لن يتمكن التنظيم مرة اخرى من العودة الى مفهوم الخلافة لخسارته اغلب قدراته العسكرية والادارية والبشرية، بالاضافة الى وجود تحالف دولي يقاتله بقوة هائلة مع قوات امنية وعسكرية امتلكت الخبرة والتسليح الكافي اللذان يؤهلانها لمواجهة التنظيم عسكريا ومنعه من احتلال مناطق او اراضي، رغم ذلك فان الاستراتيجية الجديدة لتنظيم داعش سوف تشكل تهديدا خطيرا على الوضع الامني وقد يخلق في بعض المناطق مشهد ( رمادي ).

اهداف التنظيم المقبلة : 

1.    استنزاف قدرات الدولة بحرب طويلة يعتمد فيها على اقتصاد الحرب.

2.    خلق مواقع جغرافية رخوة بين المدن والمحافظات من خلال عمليات تستهدف الأماكن الطرقية.

3.    اعادة التفوق النفسي لعناصره بعد ان تكبد خسائر كبيرة اثرت على الاستعداد النفسي لمقاتليه.

4.    خلق بيئة غيرآمنة لإظهار العراق بأنه بلد غير مستقر مما يؤثر على اعادة الإعمار والإستثمار.

مفهوم الإستراتيجية الشاملة : 

تعني الإستراتيجية الشاملة لمكافحة الإرهاب تعبئة كل القوى الحيّة والقدرات في الدولة وتنسيق وإدارة جميع الموارد للوصول الى الهدف الأساسي والقضاء على الإرهاب ومسبباته وخلق بيئة امنية مستقرة.

اهداف الإستراتيجية الشاملة : 

يجب ان تشتمل هذه الإستراتيجية على اهداف واضحة واهمها: 

1.    حماية ممتلكات الدولة وتحقيق الوحدة الوطنية. 

2.    الوصول الى الإستقرار المحلي والى امن شامل. 

3.    معالجة الآثار السلبية والتداعيات التي خلفها تنظيم داعش ابان احتلاله المدن.

4.    تهدف الى التنمية الوطنية الشاملة.

5.    الإنسجام مع التوجه الدولي لمكافحة الإرهاب. 

مرتكزات الإستراتيجية: 

لكي تكون الإستراتيجية فعالة ومؤثرة وتحقق الاهداف الموضوعة ينبغي ان تكون:

1.    اشراك كافة مؤسسات الدولة السياسية والإقتصادية والإجتماعية والفكرية والروحية والإعلامية.

2.    تبني سياسات متوازنة ومعتدلة على المستوى المحلي والإقليمي والدولي.

3.    خلق وانشاء آليات ردع مناسبة ضد من يتبنى الأفكار المتطرفة والطائفية.

4.    الإستفادة من الدعم الدولي ( التحالف الدولي ) في مكافحة الإرهاب. 

5.    تبادل المساعدات القانونية المتعلقة بملف الإرهاب.

6.    تجفيف مصادر تمويل الإرهاب ومراقبة غسيل الأموال. 

7.    التعاون في المجالات الاستخباراتية والفنية والتقنية والتدريبية. 

8.    انشاء منظومات رادعة وقوات مناسبة ومؤهلة لمكافحة الإرهاب.

9.    اعطاء ادوار الى مؤسسات الدولة المدنية والسياسية والدينية والإجتماعية والإعلامية والثقافية ومنظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان. 

توسيع رقعة مواجهة الإرهاب : 

لا يمكن الإعتماد فقط على المقاربة الأمنية والعسكرية للقضاء على الإرهاب، وانما القضاء على المسببات والعوامل التي تساعد في خلق بيئة ينمو فيها الإرهاب ويتمدد؛ وبهذا فإن مؤسسات الدولة بكل عناوينها تقع عليها مسؤوليات لمكافحة الإرهاب. وان التخطيط الإستراتيجي لوضع مقاربة شاملة يجب ان يساهم فيها الجميع من اجل تفكيك الفكر المتطرف ومعالجة الأسباب التي ادت الى بروز التنظيمات الإرهابية لذا يتبقى اخذ بنظر الإعتبار ما يلي: 

1.    دراسة الأسباب التي ادت الى التطرف والإنخراط في تنظيم داعش. 

2.    استنباط دروس المرحلة السابقة والعوامل التي ساهمت في تمدد تنظيم داعش. 

3.    يجب ان تكون هناك رؤية ستراتيجية والتخطيط لوضع ستراتيجية شاملة. 

4.    تحديد الأسبقيات المؤثرة على الأمن الوطني العراقي والتي أبرزها 

             أ. معالجة ملف اطفال وعائلات داعش.

            ب. الإهتمام باعادة اعمار المناطق المحررة واعادة النازحين.

سمات ضرورية: 

من اجل الوصول الى استراتيجية شاملة وتحقيق الاهداف الموضوعة يجب مراعاة سمات معينة :

1.    ان تكون بسيطة وغير معقدة.

2.    تتناسب مع القدرات المتاحة.

3.    تمتاز بالمرونة وقدرة على مواجهة التهديدات المحتملة. 

4.    تساهم في تحقيق تنمية وطنية مستدامة. 

5.    تنمية الوعي لدى مؤسسات الدولة والأدوار التي تقوم بها وتحقيق التكامل. 

6.    الإشراف والمراقبة لأجهزة الدولة المختلفة من قبل البرلمان العراقي وتشكيل لجنة عليها من ذوي الإختصاصات لمراقبة الإجراءات ومعرفة النتائج من اجل تقويم الأخطاء وتطوير الإنجازات.